من خيمة النزوح إلى جائزة دولية.. شقيقتان من غزة تحولان الأنقاض إلى «حجر الأمل»

Donia Meghieb ✅منذ 19 ثانيةآخر تحديث :
من خيمة النزوح إلى جائزة دولية.. شقيقتان من غزة تحولان الأنقاض إلى «حجر الأمل»

رفح الآن- وكالات 

لم تكن نافذة الخيمة التي لجأت إليها الشقيقتان الفلسطينيتان تالا وفرح موسى بعد تدمير منزلهما مجرد فتحة تطلان منها على مشاهد الحرب، بل تحولت إلى بداية لفكرة غيرت مجرى حياتهما بالكامل.

فمشاهد الركام والدمار التي أحاطت بهما يومياً في قطاع غزة دفعت الشقيقتين للتفكير بطريقة مختلفة، إذ تساءلتا كيف يمكن تحويل هذا الخراب إلى شيء يمنح الحياة، وكيف يمكن للأنقاض التي خلفتها الحرب أن تصبح أساساً لبناء مستقبل جديد.

وفي ظل النزوح المتكرر والظروف الإنسانية الصعبة، رفضت تالا البالغة من العمر 17 عاماً وشقيقتها فرح ذات الـ15 عاماً الاستسلام للواقع، وقررتا تحويل المعاناة إلى مشروع بيئي وإنساني مبتكر أطلقتا عليه اسم «بناء الأمل – فلسطين» (Build Hope – Palestine)، وهو المشروع الذي تمكن لاحقاً من الفوز بالمركز الأول عن منطقة الشرق الأوسط في النسخة العالمية من «جائزة الأرض 2026».

وتُعد «جائزة الأرض» من أبرز المسابقات البيئية الدولية المخصصة لفئة الشباب بين 13 و19 عاماً، وهي مبادرة مقرها سويسرا تهدف إلى دعم المشاريع المبتكرة التي تقدم حلولاً للتحديات البيئية حول العالم.

فكرة خرجت من قلب الركام

وقالت تالا موسى إن المشهد المحيط بالخيمة بعد تدمير منزلهما كان الدافع الرئيسي وراء المشروع، موضحة أن ملايين الأطنان من الركام المنتشرة في غزة لم تعد بالنسبة لهما مجرد دليل على الخسارة والدمار.

وأضافت: «حتى المشهد الذي كنا نراه من نافذة الخيمة تحول إلى مصدر إلهام، حاولنا تحويل شيء سلبي إلى أمر إيجابي، وأن ننظر إلى الأنقاض باعتبارها بداية جديدة وليست نهاية».

من جانبها، أوضحت فرح أن الفكرة جاءت نتيجة الحاجة الملحة لإيجاد حلول محلية في ظل حجم الدمار الكبير وتأخر عمليات إعادة الإعمار، مؤكدة أن المشروع يمثل محاولة لتعزيز الاعتماد على الذات بدلاً من انتظار المساعدات الخارجية فقط.

تحويل الأنقاض إلى طوب صديق للبيئة

واعتمدت الشقيقتان على فكرة بسيطة قليلة التكلفة تقوم على إعادة تدوير ركام المنازل المدمرة وتحويله إلى قوالب بناء صديقة للبيئة.

وتبدأ الفكرة بجمع بقايا الخرسانة والأنقاض من المناطق المدمرة، ثم يتم تكسير الحجارة المتهالكة وغربلتها لإزالة الشوائب، قبل خلطها بمواد محلية متوفرة مثل الطين والرماد والقش أو مسحوق الزجاج.

بعد ذلك تُسكب الخلطة داخل قوالب مخصصة وتُترك لتجف تحت أشعة الشمس، لينتج عنها طوب خفيف الوزن ومنخفض التكلفة.

ورغم أن هذه القوالب غير مخصصة للبناء الحامل للأوزان الثقيلة، فإنها تُستخدم في أعمال بسيطة مثل الأرصفة والممرات والفواصل الداخلية وأحواض الزراعة.

وأجرت الشقيقتان تجارب أولية بجوار خيمتهما، حيث استخدمتا القوالب المصنعة لتثبيت خيام الجيران وحمايتها من الرياح والظروف الجوية القاسية، ما ساعد على إثبات فعالية الفكرة على أرض الواقع.

نجاح عالمي رغم ظروف النزوح

ورغم فقدان النموذج الأولي للمشروع خلال إحدى عمليات النزوح القسري، أصرت الشقيقتان على مواصلة العمل وتطوير الفكرة مجدداً.

هذا الإصرار أوصلهما إلى منصة دولية، بعدما أصبحتا أول فريق فلسطيني يفوز بلقب «بطل الشرق الأوسط» ضمن «جائزة الأرض»، متفوقتين على آلاف المشاركات من دول مختلفة حول العالم.

وشهدت النسخة الحالية من الجائزة مشاركة أكثر من 6095 فريقاً من عدة دول، قبل اختيار مشروع «بناء الأمل – فلسطين» كأفضل مشروع بيئي شبابي في المنطقة.

كما حصلت تالا وفرح على جائزة مالية بقيمة 12 ألفاً و500 دولار أمريكي، وتخططان لاستثمارها في توسيع المشروع وتحويله إلى مبادرة مجتمعية تدريبية.

تدريب الشباب على إعادة الإعمار

ولا تقتصر طموحات الشقيقتين على الفوز بالجائزة فقط، بل تسعيان إلى نقل التجربة للشباب الفلسطيني داخل قطاع غزة.

وتخططان لتنظيم ورش تدريبية تستهدف نحو 100 شاب وشابة لتعليمهم تقنيات تصنيع الطوب من الأنقاض، بهدف إنتاج ما لا يقل عن 200 طوبة خلال المرحلة التجريبية الأولى.

وترى فرح أن هذه الخطوة قد تسهم في إيجاد حلول محلية بسيطة تساعد في إعادة الإعمار الذاتي، خاصة في ظل حجم الدمار الهائل الذي يعانيه القطاع.

كما حظي المشروع بإشادات واسعة من خبراء البيئة والهندسة حول العالم، الذين وصفوه بأنه نموذج ذكي لإعادة تدوير الأنقاض بطريقة صديقة للبيئة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.

وأشار مختصون إلى أن إعادة تدوير الركام في الظروف الطبيعية تحتاج عادة إلى معدات ثقيلة واستهلاك مرتفع للطاقة، بينما نجحت الشقيقتان في ابتكار آلية بسيطة تعتمد على الموارد المحلية المتاحة داخل غزة.

وأكد خبراء أن المشروع لا يحمل بعداً إنسانياً فقط، بل يقدم أيضاً حلاً بيئياً عملياً لأزمة ملايين الأطنان من الركام المنتشرة في أنحاء القطاع.

ويأتي هذا الابتكار في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية والبيئية في تاريخه، مع نزوح نحو 1.9 مليون فلسطيني منذ بداية الحرب، وانتشار كميات هائلة من الأنقاض في الشوارع والأحياء المدمرة.

كما تشير تقديرات دولية إلى أن حجم الأضرار المادية في القطاع تجاوز 70 مليار دولار، في ظل تعثر جهود إعادة الإعمار واستمرار معاناة السكان داخل مراكز النزوح والخيام.

ورغم هذا الواقع الصعب، تحاول تالا وفرح تقديم نموذج مختلف للصمود الفلسطيني، يقوم على تحويل أدوات الدمار نفسها إلى وسيلة للبناء والحياة.

وبينما ينتظر سكان غزة انطلاق مشاريع الإعمار الكبرى، بدأت الشقيقتان من أمام خيمتهما بوضع أولى اللبنات الصغيرة لمستقبل تأملان أن يكون أكثر أمناً واستقراراً، لتتحول الأنقاض التي خلفتها الحرب إلى حجارة تحمل معنى جديداً للأمل والحياة.