رفح الآن- وكالات
لم تعد الخيام ومراكز الإيواء الممتدة على طول قطاع غزة مجرد حلول مؤقتة لبؤس اللجوء، بل تحولت في كثير من الحالات إلى بيئات قاسية تُضاعف من هشاشة الفئات الأضعف، وفي مقدمتهم الأطفال وذوو اضطراب طيف التوحد.
ووسط الاكتظاظ المليوني، وأصوات الانفجارات، وغياب أي ملمح للاستقرار، تحولت رحلة النزوح بالنسبة لهذه الفئة إلى كابوس يومي عنوانه الضياع، وفي أحيان كثيرة، الموت الفاجع بفعل غياب الرعاية والبيئة الآمنة.
ويواجه أطفال التوحد داخل المخيمات تحديات مركّبة للغاية، حيث يتسبب غياب الاستقرار المكاني، والضوضاء المستمرة، والاكتظاظ، وانعدام الروتين اليومي، وفقدان الخدمات التأهيلية والتعليمية والعلاجية، في إحداث انهيار سلوكي وصحي ومعرفي سريع.
وفي بيئة مفتوحة ومزدحمة كالمخيمات، بات الهروب والضياع السلوك الأكثر تكراراً والأخطر عاقبة، مما يؤدي في بعض الحالات إلى فقدان القدرة على التكيّف أو حتى فقدان الحياة.
اضطرابات وضياع لمرات
في خيمة متواضعة بمنطقة مواصي خانيونس، تعيش عائلة الطفل محمد منصور البالغ من العمر تسعة أعوام والمصاب باضطراب طيف التوحد.
وتروي والدته بمرارة تفاصيل المعاناة اليومية، مؤكدة أن طفلها لا يستطيع استيعاب أو تأقلم العيش وسط صراخ الجيران وضجيج الطائرات وحرارة الخيمة الخانقة، مما يجعله في حالة انهيار عصبي مستمر ودائم.
وعن حوادث ضياعه، تقول “محمد ضاع من العائلة كثر من المرات، حتى الآن بسبب تشابه الخيام واكتظاظ المنطقة، حيث ركضت العائلة في كل مكان بحثاً عنه لعدة ساعات وسط حالة من الرعب الشديد، حتى وجدوه أخيراً بأماكن بعيدة عن الخيمة”.
وتفيد بأن طفل التوحد لا يستطيع إرشاد الناس إلى خيمته أو نطق اسمه مما يجعل ضياعه مشروع موت حقيقي.
وتضيف بحسرة، أن محمد فقد تماماً فرص الخروج لاستكمال علاجه السلوكي والنفسي المكثف في الخارج جراء الظروف الحالية وإغلاق المعابر، وهو ما يتسبب في تراجعه المعرفي والصحي كل يوم.
وكانت والدة محمد قد غادرت غزة قبل حرب الإبادة مرتين، للبحث عن علاج لابنها، وعادت، على أمل العودة للسفر لتركيا، لاستكمال علاجه، قبل أن تمنعها الحرب وإغلاق الاحتلال للمعابر.
هذه المأساة تكررت بشكل أكثر قسوة مع الطفل أنس أحمد، البالغ من العمر أحد عشر عاماً، والذي كان يعاني من اضطراب توحد حاد.
فقبل نحو أربعة أشهر، ونتيجة نوبة ذعر أصابته جراء قصف مكثف، خرج أنس من خيمة عائلته راكضاً دون وعي بالاتجاهات، ليضل طريقه تماماً بين أزقة النزوح المتشابكة ويتجاوز الحدود الجغرافية للمخيم.
وانتهى المطاف بالطفل في منطقة مقابلة لقناص إسرائيلي بمواصي رفح جنوب القطاع، حيث استهدفه جندي إسرائيلي بشكل مباشر بالرصاص ليرتقي شهيداً على الفور.
وبعد يومين، تفاجأ ذوو الطفل، بانتشاله، في جريمة تلخص المأساة الدامية التي تلاحق حتى هذه الفئة الهشة من جنود الاحتلال.
انتهاك حقوقهم وضياعها
مسؤول في الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، صلاح عبد العاطي، يقول إن ظروف النزوح القسري، وغياب آليات التتبع والتسجيل المراعية لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، أدت إلى حالات ضياع واختفاء لبعض الأطفال، في بيئة غير آمنة لا توفر الحد الأدنى من الحماية أو نظم الإنذار المبكر أو الرعاية الفردية.
ويشدد على أن انعدام الأمن والحماية لهذه الفئة الضعيفة، يشكل انتهاكًا خطيرًا لمعايير الحماية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ويقوّض الالتزامات الأساسية في القانون الدولي الإنساني.
ويوضح عبد العاطي، أن استمرار التعامل مع المخيمات بوصفها حلًا إداريًا طارئًا دون إدماج منظور الحماية المتخصصة يعني عمليًا ترك الفئات الأضعف في مواجهة مصير مفتوح على الخطر.
ويؤكد أن المطلوب ليس فقط توفير مأوى، بل بناء نظام حماية داخل بيئات النزوح يراعي ذوي الإعاقة واحتياجاتهم لمساحات آمنة هادئة.
وينوه إلى أن هذه الفئة وبسبب ما عارته خلال الحرب، تحتاج دائمًا لفرق دعم نفسي متخصص، وتتبع، خاصة للأطفال ذوي الإعاقة، وتنسيق فعال يمنع الضياع ويضمن لمّ الشمل.
ويحذر الحقوقي، من أن تجاهل هذه الفجوة الإنسانية لا يهدد فقط حقوق الأفراد، بل يمس جوهر فكرة الحماية ذاتها، ويحوّل المخيم من مساحة إنقاذ إلى مساحة إعادة إنتاج للألم والمعاناة.
كما يؤكد أن حماية ذوي التوحد والفئات الهشة وذوي الإعاقة تمثل اختباراً حقيقياً لجدية النظام الإنساني في أداء وظيفته الأساسية المتمثلة في حماية الحياة حين تصبح الحياة نفسها تحت الضغط الأقصى.










































